الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

319

شرح ديوان ابن الفارض

ذاب قلبي فأذن له يتمنّا ك وفيه بقيّة لرجاكا أو مر الغمض أن يمرّ بجفني فكأنّي به مطيعا عصاكا فعسى في المنام يعرض لي الوه م فيوحي سرّا إليّ سراكا « ذاب قلبي » : أي من شدة شوقي إليك . « فأذن له يتمناك » : أي يطلبك . وفي التعبير بالتمني إشارة إلى بعد الطلب وعزّة المرام . وقوله فأذن له يتمناك ، يفهم أدبا عظيما وهو أنه لا يطلبه ولا يتمناه إلا بإذن . وقوله « وفيه بقية لرجاك » : إشارة إلى أن القلب أشرف على الزوال وقارب الفناء والارتحال لأجل ذلك طلب الإذن بالتمنّي ما دام في قلبه بقية للرجاء والتمنّي . [ الاعراب ] وإعرابه ظاهر غير أن يتمناك لا بدّ أن يلاحظ فيه أحد أمرين : إما أن يلاحظ خاليا من معنى الزمان ويكون بمعنى الحدث ، أو ائذن له في تمنّيك بملاحظة حرف الجر أيضا مقدّرا على حدّ تسمع بالمعيدي خير من أن تراه . والواو في وفيه بقية : واو الحال ، أي والحال أن فيه بقية لرجاك فإني لا أتمناك إلا بتأهيل منك لي لذاك وقد أشرفت على زوال بقية الفؤاد لشدة التهاب الأكباد بنار البعاد . وآخر المصراع الأول الألف في يتمناك والكاف أول المصراع الثاني . وقوله أو مر الغمض أن يمرّ بجفني : أو : حرف عطف . ومر : فعل أمر معطوف على ائذن ، أي إما أن تأذن لقلبي في تمنّيك ، وإما أن تأمر الغمض أن يمر بجفني . وفي التعبير بيمر إشارة إلى أن إقامة النوم بجفنه غير ممكنة حتى يطلبها وإلى أن النوم بعيد العهد عن الجفن ونزوله ، فلذلك طلب من الحبيب أن يأمر الغمض بالمرور بساحة جفنه . وكان في قوله فكأني للتقريب كما نقله في المغني عن الكوفيين ، ومثّلوا له بقولهم : كأنك بالفرج آت . وتخريج ذلك أن تقول الياء في كأني حرف تكلم لا أنها اسم ضمير فهي مثل كاف الخطاب في ذلك مثلا . والباء في به زائدة في اسم كان . فعلى هذا « الهاء » اسم كان . وجملة عصاك : خبرها . ومطيعا : حال من الضمير في عصاك . والمعنى : مر النوم أن يمرّ بجفني فلقد قارب أن يعصيك مع إطاعته لك . ومعنى عصيانه له أن الجفن يخرج بالفناء عن دائرة إمكان دخول النوم فيه لأن النوم لا يدخل دار العدم ، فالعصيان عبارة عن عدم إمكان المأمور به فيصير كأن المأمور به قد عصاه لعدم حصول ما طلب ، وعدم الحصول تارة ينشأ عن عصيان المأمور ، وتارة ينشأ عن عدم إمكان المأمور به يعني مره ما دام في الأمر إمكان فلقد قارب أن تأمر النوم بالدخول إلى جفني فلا يطيعك لعدم بقاء الجفن لأن الفناء قد قارب أن يحلّ